تعد محافظة الطائف، أو "مدينة الورود" كما يحلو لعشاقها تسميتها، واحدة من أجمل الوجهات السياحية في المملكة العربية السعودية، حيث ترتبط هويتها ارتباطاً وثيقاً بإنتاج العطور والزيوت العطرية الفاخرة. وفي ظل التوجهات الحديثة لدعم الاقتصاد الزراعي والسياحي، برزت مزرعة الورد الطائفي كنموذج رائد للتحول من مجرد نشاط زراعي تقليدي إلى وجهة سياحية ريفية متكاملة. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لتظافر الجهود بين المزارعين المحليين والبرامج الوطنية الطموحة التي تسعى لتحويل الموارد الطبيعية إلى فرص اقتصادية مستدامة، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030 التي تضع السياحة والتنمية الريفية في مقدمة أولوياتها.
لعب برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة، المعروف بـ "ريف السعودية"، دوراً محورياً في دعم مزارعي الورد في الطائف. من خلال تقديم الدعم المادي والفني والإرشادي، ساهم البرنامج في تحويل المزارع البسيطة إلى كيانات نموذجية قادرة على الإنتاج بكفاءة عالية.
تعتبر مزرعة المواطن سلمان الطويرقي مثالاً حياً على هذا النجاح؛ إذ لم يقتصر الدعم على الجوانب المالية فحسب، بل شمل تدريب المزارعين على أحدث الأساليب الزراعية، وكيفية العناية بالشجيرات لضمان جودة المحصول. هذا النوع من الدعم ساعد المزارعين على التوسع في مساحاتهم الزراعية وتحسين طرق استخلاص الزيوت، مما جعل المزرعة مقصداً للزوار الراغبين في التعرف على أسرار صناعة العطور السعودية الأصلية.
إنتاج الورد الطائفي ليس مجرد عملية زراعية، بل هو طقس سنوي يتطلب دقة متناهية وصيراً طويلاً. تبدأ الرحلة في مطلع شهر يناير من كل عام، حيث يقوم المزارعون بعملية "التقليم" وهي قص أغصان شجر الورد لتجهيزها لموسم الإزهار الجديد.
تساهم الطبيعة الجبلية والمناخ المعتدل في مرتفعات الطائف، مثل الهدا والشفا، في منح الورد رائحة نفاذة وجودة لا تضاهى عالمياً، وهو ما يفسر الطلب العالمي المتزايد على "دهن الورد" المستخلص من هذه المنطقة تحديداً.
لم تعد المزارع تكتفي ببيع الورد كزهور مقطوفة أو حتى بيع الزيوت الخام فقط، بل توسعت لتشمل صناعات تحويلية مبتكرة تجذب السياح وتنعش تجارة المحافظة. داخل المزرعة النموذجية، يمكن للزائر أن يجد تشكيلة واسعة من المنتجات التي صنعت بأيدي سعودية، ومنها:
هذه المنتجات لا تساهم فقط في زيادة دخل المزارعين، بل تعزز من هوية الطائف كمركز إقليمي لصناعة العطور الفاخرة، وتوفر فرص عمل للشباب والشابات في مجالات التصنيع والتسويق.
أصبحت مزارع الورد اليوم وجهات سياحية متكاملة لا تقتصر فقط على التسوق، بل توفر تجربة "سياحة زراعية" فريدة. يتدفق الزوار من مختلف مناطق المملكة ومن خارجها للتمتع بالمناظر الخلابة وسط الحقول الممتدة، واستنشاق الهواء العليل المعبق بالروائح الزكية.
يحرص أصحاب المزارع، وبدعم من برنامج "ريف السعودية"، على توفير جلسات ريفية ومناطق مخصصة للتعريف بمراحل تقطير الورد. يمكن للزائر أن يقف بنفسه أمام "القدور النحاسية" التقليدية ويشاهد كيف تتحول آلاف الوردات إلى قطرات صغيرة من الدهن الثمين عبر عملية التبخير والتكثيف. هذه التجربة الحية تمنح السائح شعوراً بالارتباط بالتراث السعودي، وتجعل من زيارته ذكرى لا تُنسى.
إن تحول مزارع الورد إلى مقاصد سياحية نموذجية له أبعاد تتجاوز الجمال والعبير. فقد أدى هذا التحول إلى:
لقد أثبتت تجربة تحول مزارع الورد في الطائف إلى وجهات سياحية أن الاستثمار في الموارد المحلية، متى ما اقترن بالدعم الحكومي الصحيح والشغف الفردي، يمكن أن يحقق نتائج مبهرة. إن قصة نجاح المواطن سلمان الطويرقي وغيرها من القصص في المحافظة هي مجرد بداية لمستقبل واعد ينتظر قطاع الزراعة والسياحة في المملكة. فبين عبق الماضي وطموح المستقبل، يبقى الورد الطائفي سفيراً فوق العادة للجمال السعودي، ورمزاً حياً على قدرة الإنسان على الابتكار والاستدامة في أرضه. اليوم، حين تزور الطائف، أنت لا تشتري عطراً فحسب، بل تحمل معك قطعة من تاريخ هذه الأرض وقصة كفاح ترويها كل بتلة ورد.